أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

39

شرح مقامات الحريري

[ يوسف بن يعقوب عليه السلام ] وقد جرى ذكر يعقوب والأسباط في المقامات في مواضع ، وبنى هذه المقامة على ذكر يوسف وجماله وبيع إخوته إياه ، ونريد أن نلمّ بطرف من أخبارهم على شرط الكتاب . ذكر أهل الأخبار أنّ يعقوب - وهو إسرائيل عليه السلام - تزوج بنت خاله ليا بنت ليّان بن بتويل ، فولدت له روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وغيرهم ، ثم توفّيت وخلف على أختها راحيل ، فولدت له يوسف وبنيامين ، وكان يوسف وأمه قد قسم لهما من الحسن شطره ، فكفلت يوسف عمّته ، وكانت أكبر ولد إسحاق ، وكانت عندها منطقة لإسحاق يتوارثونها على قدر أسنانهم . فلمّا ترعرع يوسف أراد يعقوب أخذه منها ، وقال لها : واللّه لا أقدر على الصّبر عنه ، فقالت له : واللّه لا أقدر على صرفه إليك ، فلما رأت عزمه على أخذه ، حزمت المنطقة تحت ثياب يوسف وهو نائم ، ثم ادّعت فقدها فطلب فوجدت عنده ، وكان من سنتهم أن من سرق شيئا أخذ فيه ، فتركه لها حتى ماتت . فلمّا رجع إلى أبيه شغل به عن سائر بنيه ، فحسدوه ، فسألوا أباهم إرساله معهم للنزهة ، بعد أن ضمنوا حفظه ، فأخرجوه إلى البريّة ، وأخذوا يضربونه ، وكلّما ضربه واحد استغاث بآخر ، فيضربه الآخر . فلما كادوا يقتلونه منعهم يهوذا ، وذكّرهم بما ضمنوا لأبيه من حفظه ، فانطلقوا فأدلوه في الجبّ ، وهو يقول : يا أباه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الآباء ! وكان بعض إخوته لأمّه ، فجعل يتعلق بشفير الجبّ ، فربطوا يديه ، وألقوه فيه ، فقالوا له : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا ينجّوك ، ثم أرادوا أن يرضخوه بصخرة ، فمنعهم يهوذا ، وكان يأتيه بالطعام خفية منهم . ثم مرّت سيارة فأدلى واردهم دلوه فتعلّق به ، فلما رآه بشّر به السيارة . وقال السّديّ : إنّ الذي أخرجه إنما دعا صاحبا له اسمه بشرى ، فأتى إخوته الذين أخرجوه وقالوا : إنه عبد لنا ، فباعوه منهم بعشرين درهما على أن يخرجوه من أرض الشأم ، فشرطوا لإخوته أن يغرّبوه ، ويذهبوا به إلى مصر ، فحينئذ رجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون . فهذه قصة بيع الأسباط يوسف على اختصار . ثم إنّه لمّا بلغ مصر من العزيز ، وكان فرعون - وهو الريّان بن الوليد - قد ولّاه خزائنها ، فكان من قصته مع امرأة العزيز ومن حبّها فيه ومن دعائها إياه لنفسها ، ومن تأبّيه من ذلك واستنزالها إياه ؛ حتى هم بها ، ورؤيته برهان ربّه - وهو رؤيته صورة يعقوب يعضّ على إصبعه ، وقيل : إنه رأى في الحائط مكتوبا : « ولا تقربوا الزنا » ومبادرته الباب فارّا منها ، وقدّها قميصه من دبر ، ووجوده العزيز على باب الدّار جالسا مع ابن عمّ له ، وهو الشاهد من أهلها - وقيل : إنه كان صبيّا في المهد - واشتهار أمرهما بمصر ، حتى تحدّثت به نسوة في المدينة ، وقلن : امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ، وإحضارها لهنّ وإعدادها لهنّ ما يتّكئن عليه -